ابن عربي

130

شجون المسجون وفنون المفتون

الباقية في الذّاتية « 1 » الفانية ، فقد خرج عن الطّريق ، إذ سرّ الدّنيا يعلم في الآخرة . فكيف يعلم سرّ الآخرة في الدّنيا . فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ « 2 » وليست السّعادة هي اللّذّات ، بل اللّذّات تابعة للسّعادة ، وإنّما السّعادة اللّقاء ، وليس اللّقاء حقيقة المعرفة ، بل أن تتلاقى في حقيقة الصّفة ، ومن اتّصف فهو الّذي عرف . وصيّة : اجعل دأبك احتمال الأثقال ، وارتكاب الأهوال في كلّ آن وحال ، فمهما أنت كذلك ، فأنت السّالك ، ومتى جنحت إلى اللّذّات والرّاحات ، والفتاوى والمسامحات ، فأنت مستدرج [ لقوله تعالى : « 3 » سَنَسْتَدْرِجُهُمْ . . الآية ] . شعر : [ الخفيف ] خلقت نفسه لحمل المشقّا * ت فيلتذّ حينما تعتريه وإذا ما خلا من الهمّ في حي * ن يرى أنّه بلا شكّ فيه ويرى المتعبات فيها من الرّا * حات للقلب كلّ ما يرتجيه ذا لمن رام وصل مثلك في * دنياه يا مفردا بغير شبيه قد رأى الصّعب في المحبّة سهلا * وأمرّ الأشياء حلوا بفيه « 4 »

--> ( 1 ) في م : « الدانية » . ( 2 ) سورة السجدة : 17 . ( 3 ) من قوله تعالى في سورة الأعراف 182 : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وسورة القلم 44 : فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ . ( 4 ) زاد في م بعد هذه الأبيات : « كما قال سيّد المحققين أبو الفضائل والمفاخر عدّي بن مسافر قدّس الله سره : اعلم أيّدك الله سبحانه وإيّانا بروح منه إعلام تنبيه ، لا إعلام تعليم ، أنّ من خواص الشخص الظاهرة عليه في سلوكه ، وفي كماله ، أن تكون حياته موته ، وحركته بعثه ، ونشاطه متواصل ، وامتحاص قوى باطنه بالفكر أبدا متماد ، ووزنه في الأمور مع الأنفاس متواتر ، وتفقدّه أحوال نفسه وأحوال العالم في كل حين ، مصطحب مطلق البصيرة في الأمور كلها ، غير ملتذّ بالمدارك الجسمانية ، ولا راكن إلى العرض الأدنى ، فهو روح حيّ متحرك عال بلا حجاب ، فلا يرى إلا نهارا سرمدا لا ليل فيه ولا ظلمة ، كحال الملائكة في علو العالم ، فهل ترى ذلك يبقى له أثر دقيقة من الفضل إلا يطّلع -